محمد راغب الطباخ الحلبي

466

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

واهتم في جلب ماء عين مرتين إلى إدلب ، إلا أنه لم يوفق لذلك ، لكنه أودع هذه الفكرة إلى ولده الطبيب السيد محمد حلمي وابن أخيه السيد حكمة ، وهما من الأطباء المأذونين من المكتب الطبي في دار السعادة ، فهذان جدا في جلب هذا الماء واشتركاهما ومفتي البلدة الشيخ برهان الدين أفندي العيّاشي وقائم مقامها وطنينا توفيق بك الحياني في السعي ، وتم ذلك سنة 1343 ، فكان لهؤلاء اليد البيضاء في إبراز هذا المشروع لحيز العمل جزاهم اللّه خيرا . وكان المترجم فصيح المنطق حسن التعبير ، تجردت عبارته عن حشو العامة . وكان لكلامه تأثير في القلوب لإخلاصه ولحسن الظن فيه . وكان مؤدبا مهذبا نصوحا يعامل المجاورين عنده في غرف الزاوية أحسن معاملة ، وله عليهم غيرة زائدة ، وكان يجلس إليهم ويؤنسهم ويعظهم بمواعظ حكمية لا تقل عن الحكم العطائية ، فكان المجاورون يجدون لذلك في قلوبهم أحسن تأثير . وكان منجمعا في نفسه لا يألف مخالطة الناس ، ولولا الطبابة ما واجه أحدا ولا خالط أحدا . وفي الجملة فقد كان من خيار الناس أجمع أهل بلده على الاعتراف بفضله ومهارته في صنعته والثناء على جميل أخلاقه . وكنت سافرت مع والدي إلى إدلب في صفر من سنة 1307 ونزلنا هناك في دار الحاج محمد طاهر الأصفري من تجار إدلب وأعيانها ، فصادف أن والدي مرض بعد وصوله بأيام مرضا شديدا ، فاستدعي المترجم لتطبيبه ، فكنت أراه يأتي له بالعقاقير والبذور ، فكان يدقها وينخلها ثم يركبها ويعالج بها سيدي الوالد مع بشاشة ولطف لا مزيد عليهما ، وكان يأتي كل يوم لتفقده ، وامتد به المرض نحو 15 يوما وخشينا وقتئذ موافاة الأجل ، فأرسلنا إلى حلب فأرسل لنا وقتئذ محفة ( تخت روان ) فعدنا فيها إلى حلب ، وكانت صحته قد تحسنت نوعا ، ويوم عودتنا حضر المترجم على عادته فأخرج سيدي الوالد كيس دراهمه ، وكنت مشاهدا لذلك ، وقبض قبضة من الدراهم ملء كفه وناولها له فلم يأخذها ، وألح عليه كثيرا وهو لا يزداد إلا تمنعا وملاطفة لسيدي الوالد ، وهذا ولا ريب من كرم أخلاقه وطيب أعراقه رحمه اللّه تعالى .